أصوات وآهات   |   صُنعت للمحترفين: لماذا الترقية إلى Galaxy Watch Ultra2 تستحق العناء   |   ندوة حوارية في نادي الحرية تبحث واقع الأحزاب السياسية وطموحات المجتمع الأردني   |   خليل عطية يعلن خروجه من المستشفى بعد عملية لتحرير عصب   |   لِمَصْلَحَةِ مَنْ إِضْعَافْ مَجَالِسْ النُوَابْ؟!   |   الاعتماد على الذات طريق الأردن للخروج من عنق الزجاجه     |   مندوبا عن الملك وولي العهد… العيسوي يعزي العنيزان والمومني   |   مهرجان الفحيص 33 يقدم برنامجاً فنياً متوازناً على مسرح القناطر.   |   كندة همام الطيبي مبارك النجاح   |   علاء نجل الزميل أسامة الراميني مبروك النجاح الباهر .. 29.6 من 30   |   أطفال القدس يتعرفون في طنجة على جوانب من الثقافة المغربية الأصيلة   |   دعوة من سامسونج: حدث Galaxy لشهر أغسطس 2026   |   الاعلام الايجابي والاعلام السلبي   |   موسوعة فلسفية أردنية في أحد عشر مجلداً (فلسفة التشخيص والتجريد والأبعاد السبعة) للمفكر هاشم نصار    |   محفظة السندات لدى الضمان: المؤشّرات والمخاطر   |   حاكم الخريشا : بعد مسيرة ثلاثون عاما من العمل والعطاء في وزارة الداخلية أغادر الخدمة بمشاعر شكر وامتنان   |    د. ماهر الحوراني : نقلة نوعية بتحديد المسارات للثانوية ، والتصنيفات العالمية مرآة تعكس أداء الجامعة   |   البنك الأهلي الأردني يعيّن يوسف نورس مديرًا للخزينة والأسواق المالية   |   د.النسور: الأمن الاقتصادي جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني وحماية المصالح العليا للدولة   |   البنك العربي ينظّم ورشة تدريبية في الذكاء الاصطناعي لروّاد الأعمال من ذوي الإعاقة   |  

حِكم خفيّة ..


حِكم خفيّة ..
الكاتب - هالة جمال سلوم

حِكم خفيّة ..

  بين الميلاد والرحيل، بين بدايةٍ لا نختارها ونهايةٍ لا نعرف موعدها، نمرّ بمراحل عديدة، نبحر في بحرٍ واسعٍ متقلّب المزاج، هادئ تارةً وهائج أخرى، مختلفِ المذاق، عذبٌ فُراتٌ حينًا، وملحٍ أُجاجٍ حينًا آخر.

  تحنّ علينا أمواجه فنبحر بهدوء وسكينة، وفجأةً، تقسو وتتلاطم بنا، فنشدّ الشراع، ونضبط الدفّة، ونقوّم البوصلة، ونُمعن مراقبة الطريق، حتى نحاول الوصول بسلام.

هكذا تمرّ مراحل حياتنا، بدءاً من طفولةٍ ناعمةٍ مستقرةٍ هادئة، مرورًا بمرحلة الشبابٍ الملتويه، حيث تحفّها المخاطر والشدائد، وصولًا إلى مرحلة النضج والإدراك، التي لم نكن لنبلغها لولا أن خضنا تحدّيات الحياة وصعابها.

 

تدقّ المحنُ أبوابنا وتدعونا عنوةً لمواجهة واقعٍ لم نكن نستعدّ له، فتُزَجّ أعماقُنا في دوّامةٍ تهزّ الكيان كصاعقة برقٍ مفاجئة. حينها تُغلَق الأبواب، وتضيق السبل، ويعجز العقل عن التفكير، ويصمت كل ما حولنا، ويُخيَّل إلينا أنها النهاية.

وما إن ضاقت الأرض بما رحبت، ولا مفر ولا فرار، يبدأ بداخلنا صوتٌ جديد يخبرنا بضرورة التحرك، وتتّسع طاقة النور الخافتة الكامنة في أرواحنا، لتنير لنا مناطق خفيّة واسعة في داخلنا لم نكن نعرفها لولا تلك المحن، فتظهر فينا قوة عجيبة لم نكن نحط بها علماً ولا خبراً ، فتدفعنا للوقوف من جديد، وللخروج من منطقة الراحة إلى منطقة الجدّ والتفكير والتحمل واجتياز التجارب الصعبة بثبات، فنكتسب الثقة في قدرتنا على التعامل مع تحديات الحياة المستقبلية. 

 

قال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾

إن هذه المحن التي نظن في ظاهرها العذاب، تحمل في باطنها حكم ربانية خفية، جاءت لتصقل أرواحنا، وتعيد بنائها وتأهيلها لتكون قادرة على اجتياز كل الصعاب، فقد يكون الخيرُ كَامِنًا فِي الشرِّ، وقد يكون بعض الشرِّ دواءً مما هو أعظمُ شرًّا.

نتعلّم من المحن بأن الفقد لا يُميت، بل يبعث فينا التقدير لما تبقّى، وأن الخذلان لا يهدم، بل يُعلّمنا أن ما خسرناه لا يستحق البقاء معنا، فمع كل انكسارٍ تُزرَع فينا القوة والإرادة، ومع كل ألم ينمو بداخلنا الصبر والتحمل، فندرك الحكمة البالغة من هذه المحن، ونوقن أن النضج والقوة لا تمنحنا إياها الأيام الهانئة!  

قيل قديماً ..

يضيق صدري بغمّ عند حادثة 

وربَّما خير لي في الغمِّ أحيانَا.. 

ربَّ يومٍ يكون الغمُّ أوَّله 

وعند آخره روحًا وريحانَا.. 

ما ضقت ذرعًا بغمٍّ عند حادثة 

إِلا ولي فَرَجٌ قد حَلَّ أو حانا..

 

كم من إنسانٍ تغيّر بعد تجربة موجعة!! صار أكثر هدوءاً، أقلّ اندفاعاً، وأعمق فهمًا للحياة، المحن، تُهذّب القلب وتزرع فيه الرحمة، تُكسبنا فهماً للآخرين لم نكن نملكه من قبل، فمن ذاق الألم لا يستهين بألم أحد، ومن انكسر يومًا لا يرفع رأسه بغرور، بل يسير بهدوءٍ وتواضعٍ. 

وهنا تتجلّى الحكمة الحقيقية.. أن المحن بكل تقلباتها، لم تكن ضدنا يومًا، بل كانت تعمل في الخفاء لأجلنا، لم تكن سوى محطاتٍ لإعادة اكتشاف ذواتنا، وخطوات في رحلة نمو قدراتنا. 

  والحمد لله على ما كان وعلى ما سيكون ..