التطرف الذي يتسلل إلى داخل الأسر    |   جامعة فيلادلفيا تنعى شهيد الواجب والوطن العريف جواد السلايطة   |    سلام على وطن لا ينسى من افتداه   |   حين تصبح دماء الشهداء سؤالا عن مسؤولية الدولة   |   بيان استهجان واستنكار صادر عن رئيس لجنة السياحة والآثار النيابية النائب المهندس سالم العمري   |   مستشفى الجامعة الأردنيّة ينعى شهيد الواجب العريف جواد السلايطة   |   *برعاية وزير السياحة والآثار.. جمعية الفنادق الأردنية وروح الشرق توقعان اتفاقية لترسيخ التمكين والدمج المهني للأشخاص ذوي الإعاقة*   |   الخلايلة يوضح حقيقة تعميم إغلاق المساجد بعد صلاة العشاء   |   العثور على أسلحة بيضاء وخنجرين بحوزة منفذ الهجوم على رجل الأمن.. وفرض طوق امني الخميس   |   التؤام الرقمي لأبوغزاله في قمة البوسفور 2026: مستقبل البشرية يُبنى بالعلم والتعاون لا بالسلاح والصراع   |   دبي تستعد لاستضافة احتفالية عالمية بكرة السلة 3×3 والموسيقى والثقافة الحضرية   |   حزب الميثاق الوطني يدين الاعتداء الآثم الذي أودى بحياة أحد مرتبات الأمن العام ويؤكد الوقوف صفاً واحداً خلف مؤسسات الدولة   |   ملصق للمصمم الأردني فراس الخفش يمثل المملكة في مهرجان دولي للفن والتصميم بإندونيسيا   |   كي يبقى الوطن في قلوب أبنائن   |   الدكتور توفيق الشوابكة وعائلته يهنئون ابنتهم الدكتورة هاجر بمناسبة تخرجها بامتياز في طب الأسنان   |   الميثاق الوطني ينظّم جلسة حوارية لقراءة مضامين خطاب العرش السامي   |   بدعم من 《البوتاس العربية》.. افتتاح مشروع استدامة غابات الإثل في محمية فيفا الطبيعية   |   زين كاش تطلق خدمة (سَوا) لإرسال المعايدات والتهاني النقدية   |   ماستركارد وبنك صفوة الإسلامي يطلقان بطاقة 《شفاء》 الأولى من نوعها لتوفير آلية دفع مرنة للقطاع الصحي في الأردن     |   الحمار الأزرق يرفس الفيل الأحمر في الكونجرس بجناحيه وترامب يولول ايران هي السبب   |  

فرسان الحق


 فرسان الحق
الكاتب - .د.نهاد الجنيدي

إليها… وليس معها

الموضوع: فرسان الحق

من “توكسيك” إلى الطلاق — رحلة انهيار تبدأ بكلمة .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في زمن لم يعد فيه الصوت الأعلى هو الأصدق، ولا الأكثر انتشاراً هو الأعلم، تدخل الكلمات بيوت الناس دون استئذان، فتزرع فكرة، ثم تتحول الفكرة إلى موقف، ثم يصبح الموقف مصيراً.

 

على منصات السوشيال ميديا، تتصادم خطابات متناقضة في مشهد واحد مرعب. من جهة: “اخلعي زوجك قبل أن يسبقك”، و”أنت لست خادمة، دعيه يقوم بكل شيء”. ومن الجهة الأخرى: “إذا رفعت صوتها فاضربها أو طلقها أو تزوج عليها”. بين هذين الصوتين لا يبقى مكان للبيت، ولا للأسرة، ولا للإنسان.

 

ومع أول خلاف بسيط تبدأ حفلة التشخيص: توكسيك، نرجسي، سايكو. كأننا أمام تقارير نفسية لا علاقات إنسانية. ألقاب تُرمى بلا علم، وأحكام تُصدر بلا مسؤولية، ومصطلحات تُستخدم كسلاح لا كفهم. فتتحول المشكلة إلى معركة، والشريك إلى متهم، والبيت إلى ساحة حكم وتنفيذ.

 

أحياناً لا يكون الصمت هدوءاً، بل يكون عقاباً. صمت يستخدمه أحد الطرفين ليقول ما لا يقال، ويترك الآخر حائراً بين الفهم والتأويل. كم من طلاق صامت يحدث في بيوتنا دون أوراق رسمية ودون شهود، لكن الجميع يشعر به. يشعر به الزوج وتشعر به الزوجة، لكن من يدفع الثمن الحقيقي؟ الأبناء.

 

من أجل بضعة لايكات، تولد أفكار، ثم تتحول إلى قرارات، ثم تصبح واقعاً. آلاف الأسر تتصدع كل عام، لا بسبب عمق المشكلة بقدر ما بسبب طريقة التعامل معها، حين تتحول الفكرة الطائشة إلى قرار، ويُقدَّم الرأي العابر على أنه حقيقة.

 

السؤال الذي نتجنبه عادةً هو الأهم: لماذا وجد هذا الخطاب أرضاً خصبة؟ لماذا تصدّق عليه بيوت كانت لها أسسها وقيمها؟

 

الجواب المؤلم: لأن ثمة فراغاً. فراغاً في الحماية قبل الأزمة، وفراغاً في الاحتواء وقتها.

 

أين تذهب المرأة عندما تنهار الأسرة فعلاً؟ أين تجد الأرملة، والمطلقة، والغارمة، والقاصرة سنداً حقيقياً قبل أن تتحول معاناتهن إلى قصص تُتداول على منصات التواصل؟

 

الخطاب الرقمي لم يخترع المشكلة، بل وجد فراغاً فملأه، واستغل غياب الحل فبدا وكأنه الحل. وحين يغيب الصوت العالم الموثوق، يملأ الفراغ كل صوت. وحين تغيب منظومة الحماية الاجتماعية الحقيقية، تتحول النصيحة الطائشة إلى طوق نجاة وهمي.

 

ولا يزال السؤال قائماً: لماذا نصل في كثير من الأحيان إلى مرحلة ردّ الفعل، بينما الأجدى أن نبني منظومة حماية تسبق لحظة الانهيار؟

 

وعندما نبحث عن الأصل الذي اختلّ، نجد أن المعادلة كانت واضحة منذ البداية:

 

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

 

لم تكن السكينة وصفاً بل كانت هدفاً. سكينة تقوم على ميزان دقيق: مسؤولية تقابلها مسؤولية. فالزوج مؤتمن مكلف بأن يوفر الأمان والنفقة والاحتواء وبيئة تحفظ كرامة زوجته، وهذا واجب لا تفضل. والزوجة ليست متلقية فقط، بل صانعة للسكون ذاته، تعيد للبيت روحه وتحول الجدران إلى مأوى.

 

هذا التوازن لا يولد بيتاً فقط، بل يولد جيلاً. ومن هذا الجيل تنبت الأمة أو تذبل.

 

في زمن صار فيه كل أحد يُفتي، وكل هاتف منبراً، وكل رأي حقيقة تُنشر بلا مراجعة، لم يعد السؤال: من يتكلم؟ بل أصبح: من يُعيد الميزان؟

 

ومن هنا تحديداً يأتي دور دائرة الإفتاء العام — لا كجهة تصدر أحكاماً من بعيد، بل كصوتٍ حاضر في قلب هذا الزحام، يفهم السؤال قبل أن يجيب عليه، ويرى الإنسان قبل أن يرى المسألة.

 

تنبّهت دائرة الإفتاء العام مبكراً إلى خطورة هذا المشهد المتسارع، فتقدمت بخطابها إلى نفس المنصات التي صُنعت فيها الفوضى، لتعيد التوازن من داخلها لا من خارجها. وكان هذا امتداداً لمنهجٍ راسخ عززه سماحة المفتي العام الدكتور أحمد الحسنات، الذي أعدّ جيلاً من المفتين القادرين على مخاطبة الناس بلغة عصرهم دون أن يفقدوا أصالة العلم.

 

وفي طليعة هؤلاء، فرسانٌ لا يكتفون بنقل الفتوى، بل يحملونها إلى الناس بوعيٍ وفهم، يعيدون بها التوازن : فضيلة الدكتور تيسير أبوحيدر مفتي غرب عمان، وفضيلة الدكتور موسى الزعاترة مفتي جنوب عمان، وفضيلة الدكتور أحمد العساف — علماء لا يكتفون بالفتوى نصاً، بل يحملونها إلى حيث يحتاجها الناس حقاً.

 

خطابهم لا يقول للمرأة “اصبري” فقط، ولا يقول للرجل “تسلط” فقط، بل يعيد لكليهما ما نسياه: أن البيت لم يُبنَ للانتصار بل للسكينة، وأن الكلمة الصادقة قادرة على إنقاذ أسرة، حيث تعجز مئات القوانين التي لم تصل إلى القلب.

 

وفي هذا السياق الأوسع، تبقى المملكة الأردنية الهاشمية نموذجاً في الجمع بين الدين والمسؤولية، امتداداً لقيم آل البيت الأشراف، حيث لا يتحول الدين إلى أداة في الصراع بل يبقى ميزاناً يعيد التوازن.

 

المجتمع لا يتفكك فجأة، بل يتآكل بصمت، حين نهمل الأصل ونسلم الوعي لغير أهله، وننسى أن السكينة مسؤولية مشتركة.

 

وهذا هو الدور الذي يحاول فرسان الحق أن يؤدّوه — أن يعيدوا الإنسان إلى إنسانيته، والبيت إلى معناه.

 

فهذه الأصوات هي التي يجب أن تُسمع… قبل أن نُضطر لسماع ما لا نريده.