من شبّاك سوريا يدير حزب الله وجهه نحو السعوديّة   |   وفد طلابي من جامعة فيلادلفيا يشارك في المؤتمر الوطني للشباب 2026   |   5 ممارسات تقليدية لا تزال تعيق الشركات في بناء الثقة وتعظيم أثر الاتصال المؤسسي   |   زين والعلمية الملكية توسّعان التعاون في تشغيل محطات رصد نوعية الهواء   |   سامسونج إلكترونكس المشرق العربي تستعرض مستقبل حلول التدفئة والتبريد الذكية أمام نخبة من الاستشاريين والمهندسين   |   تعلن جامعة فيلادلفيا عن حاجتها لتعيين طبيب/طبيبه في المركز الصحي   |   تعلن جامعة فيلادلفيا عن حاجتها لتعيين: - مدخل بيانات/ دائرة اللوازم.   |   طلال أبوغزاله يكتب : المستقبل يبدأ بفكرة   |   ميناء حاويات العقبة يسجّل رقمًا قياسيًا بمناولة 101,900 حاوية نمطية خلال تموز 2026   |   الاتحاد العربي للمعارض والمؤتمرات الدولية يطلق موقعه الإلكتروني الرسمي بحلته الجديدة   |   من بولندا.. جامعة فيلادلفيا تواصل تمكين طلبتها على الساحة الدولية   |   بين إلغاء ضربة ترمب والحاجة إليها    |   إتفاقيات وقف إطلاق النار حبرعلى ورقه   |   العيسوي.. ظاهرة أردنية استثنائية   |   مجموعة الخليج للتأمين – الأردن توقع اتفاقية تقديم خدمة الاستعلام الائتماني مع كريف الأردن   |   للتوعية فقط ولا أنصح؛ أربعة خيارات للتقاعد المبكر.. تعرّفوا عليها   |   فيديو - احتفاءً باليوم العالمي للحفاظ على الطبيعة.. شركات الاتصالات تواصل جهودها بمبادرة مشتركة لتعزيز الاستدامة البيئية   |   كريف الاردن توقّع اتفاقية تقديم خدمة الاستعلام الائتماني مع مجموعة الخليج للتأمين – الأردن (GIG)   |   الحسنات والعياصرة يصنعان من البساطة إبداعا انتاجيا صديقا للبيئة في مواجهة الفقر   |   المسرح الشّماليّ يختتم آخر فعاليّاته في جرش ال40   |  

فرسان الحق


 فرسان الحق
الكاتب - .د.نهاد الجنيدي

إليها… وليس معها

الموضوع: فرسان الحق

من “توكسيك” إلى الطلاق — رحلة انهيار تبدأ بكلمة .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في زمن لم يعد فيه الصوت الأعلى هو الأصدق، ولا الأكثر انتشاراً هو الأعلم، تدخل الكلمات بيوت الناس دون استئذان، فتزرع فكرة، ثم تتحول الفكرة إلى موقف، ثم يصبح الموقف مصيراً.

 

على منصات السوشيال ميديا، تتصادم خطابات متناقضة في مشهد واحد مرعب. من جهة: “اخلعي زوجك قبل أن يسبقك”، و”أنت لست خادمة، دعيه يقوم بكل شيء”. ومن الجهة الأخرى: “إذا رفعت صوتها فاضربها أو طلقها أو تزوج عليها”. بين هذين الصوتين لا يبقى مكان للبيت، ولا للأسرة، ولا للإنسان.

 

ومع أول خلاف بسيط تبدأ حفلة التشخيص: توكسيك، نرجسي، سايكو. كأننا أمام تقارير نفسية لا علاقات إنسانية. ألقاب تُرمى بلا علم، وأحكام تُصدر بلا مسؤولية، ومصطلحات تُستخدم كسلاح لا كفهم. فتتحول المشكلة إلى معركة، والشريك إلى متهم، والبيت إلى ساحة حكم وتنفيذ.

 

أحياناً لا يكون الصمت هدوءاً، بل يكون عقاباً. صمت يستخدمه أحد الطرفين ليقول ما لا يقال، ويترك الآخر حائراً بين الفهم والتأويل. كم من طلاق صامت يحدث في بيوتنا دون أوراق رسمية ودون شهود، لكن الجميع يشعر به. يشعر به الزوج وتشعر به الزوجة، لكن من يدفع الثمن الحقيقي؟ الأبناء.

 

من أجل بضعة لايكات، تولد أفكار، ثم تتحول إلى قرارات، ثم تصبح واقعاً. آلاف الأسر تتصدع كل عام، لا بسبب عمق المشكلة بقدر ما بسبب طريقة التعامل معها، حين تتحول الفكرة الطائشة إلى قرار، ويُقدَّم الرأي العابر على أنه حقيقة.

 

السؤال الذي نتجنبه عادةً هو الأهم: لماذا وجد هذا الخطاب أرضاً خصبة؟ لماذا تصدّق عليه بيوت كانت لها أسسها وقيمها؟

 

الجواب المؤلم: لأن ثمة فراغاً. فراغاً في الحماية قبل الأزمة، وفراغاً في الاحتواء وقتها.

 

أين تذهب المرأة عندما تنهار الأسرة فعلاً؟ أين تجد الأرملة، والمطلقة، والغارمة، والقاصرة سنداً حقيقياً قبل أن تتحول معاناتهن إلى قصص تُتداول على منصات التواصل؟

 

الخطاب الرقمي لم يخترع المشكلة، بل وجد فراغاً فملأه، واستغل غياب الحل فبدا وكأنه الحل. وحين يغيب الصوت العالم الموثوق، يملأ الفراغ كل صوت. وحين تغيب منظومة الحماية الاجتماعية الحقيقية، تتحول النصيحة الطائشة إلى طوق نجاة وهمي.

 

ولا يزال السؤال قائماً: لماذا نصل في كثير من الأحيان إلى مرحلة ردّ الفعل، بينما الأجدى أن نبني منظومة حماية تسبق لحظة الانهيار؟

 

وعندما نبحث عن الأصل الذي اختلّ، نجد أن المعادلة كانت واضحة منذ البداية:

 

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

 

لم تكن السكينة وصفاً بل كانت هدفاً. سكينة تقوم على ميزان دقيق: مسؤولية تقابلها مسؤولية. فالزوج مؤتمن مكلف بأن يوفر الأمان والنفقة والاحتواء وبيئة تحفظ كرامة زوجته، وهذا واجب لا تفضل. والزوجة ليست متلقية فقط، بل صانعة للسكون ذاته، تعيد للبيت روحه وتحول الجدران إلى مأوى.

 

هذا التوازن لا يولد بيتاً فقط، بل يولد جيلاً. ومن هذا الجيل تنبت الأمة أو تذبل.

 

في زمن صار فيه كل أحد يُفتي، وكل هاتف منبراً، وكل رأي حقيقة تُنشر بلا مراجعة، لم يعد السؤال: من يتكلم؟ بل أصبح: من يُعيد الميزان؟

 

ومن هنا تحديداً يأتي دور دائرة الإفتاء العام — لا كجهة تصدر أحكاماً من بعيد، بل كصوتٍ حاضر في قلب هذا الزحام، يفهم السؤال قبل أن يجيب عليه، ويرى الإنسان قبل أن يرى المسألة.

 

تنبّهت دائرة الإفتاء العام مبكراً إلى خطورة هذا المشهد المتسارع، فتقدمت بخطابها إلى نفس المنصات التي صُنعت فيها الفوضى، لتعيد التوازن من داخلها لا من خارجها. وكان هذا امتداداً لمنهجٍ راسخ عززه سماحة المفتي العام الدكتور أحمد الحسنات، الذي أعدّ جيلاً من المفتين القادرين على مخاطبة الناس بلغة عصرهم دون أن يفقدوا أصالة العلم.

 

وفي طليعة هؤلاء، فرسانٌ لا يكتفون بنقل الفتوى، بل يحملونها إلى الناس بوعيٍ وفهم، يعيدون بها التوازن : فضيلة الدكتور تيسير أبوحيدر مفتي غرب عمان، وفضيلة الدكتور موسى الزعاترة مفتي جنوب عمان، وفضيلة الدكتور أحمد العساف — علماء لا يكتفون بالفتوى نصاً، بل يحملونها إلى حيث يحتاجها الناس حقاً.

 

خطابهم لا يقول للمرأة “اصبري” فقط، ولا يقول للرجل “تسلط” فقط، بل يعيد لكليهما ما نسياه: أن البيت لم يُبنَ للانتصار بل للسكينة، وأن الكلمة الصادقة قادرة على إنقاذ أسرة، حيث تعجز مئات القوانين التي لم تصل إلى القلب.

 

وفي هذا السياق الأوسع، تبقى المملكة الأردنية الهاشمية نموذجاً في الجمع بين الدين والمسؤولية، امتداداً لقيم آل البيت الأشراف، حيث لا يتحول الدين إلى أداة في الصراع بل يبقى ميزاناً يعيد التوازن.

 

المجتمع لا يتفكك فجأة، بل يتآكل بصمت، حين نهمل الأصل ونسلم الوعي لغير أهله، وننسى أن السكينة مسؤولية مشتركة.

 

وهذا هو الدور الذي يحاول فرسان الحق أن يؤدّوه — أن يعيدوا الإنسان إلى إنسانيته، والبيت إلى معناه.

 

فهذه الأصوات هي التي يجب أن تُسمع… قبل أن نُضطر لسماع ما لا نريده.