حزب الميثاق الوطني يستكمل انتخاب هياكله التنظيمية   |   الرصيف للمشاة.. أم للأشجار؟   |   ​الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي: حماية الحقوق التأمينية واستدامة الضمان   |   الجرابعة يوضح ملابسات دعم مستشفى الطفيلة الحكومي ويدعو لتوحيد الجهود بعيدًا عن المناكفات   |   In Cooperation with Ablers Orange Jordan Launches Training Program to Empower Youth with Disabilities for 2nd Consecutive Year   |   مطار الملكة علياء الدولي يستقبل أكثر من مليون مسافر خلال شهر آب 2026   |   السيادة الوطنية على البيانات الرقمية  نحو نموذج أردني AI In a Box   |   أمسية نقدية حول ديوان الجبال الخمسة للشاعر د. راشد عيسى   |   مجلس إدارة المدن الصناعية يختتم جولاته الميدانية في الموقر الصناعية   |   شمول العامل مسؤولية صاحب العمل.. ولا اتفاق على غير ذلك    |   عمان الأهلية تشارك في فعالية متخصصة حول استدامة نخيل التمر في الأردن   |   حين يختار قادة التكنولوجيا سامسونج لتجربة تتجاوز حدود الهاتف التقليدي   |   الحاج توفيق يدعو لتكامل غذائي بين الأردن ولبنان وسوريا    |   وفد نيابي برئاسة العمري يشارك في معرض IFTM بباريس   |   حزب الميثاق الوطني يفتح باب إبداء الرغبة بالترشح للانتخابات البلدية أمام أعضائه في مختلف فروع المملكة*   |   الإعلان عن حقبة جديدة في رعاية الربو الشديد في الأردن مع خيار علاجي مبتكر يجدد الأمل لمرضى الربو الشديد غير المسيطر عليه   |   زين كاش راعٍ ماسي للمؤتمر الوطني الأول للتعليم التقني والتطبيقي (على خطى الحسين)   |   الأردن يستضيف المؤتمر الفني الثامن والثلاثين للأسمدة برعاية الفوسفات الأردنية   |   طالبة عمّان الأهلية (كريستل حبشي ) تشارك بلجنة تحكيم جائزة UNIMED 2026 بمهرجان البندقية السينمائي   |   طالب جامعة عمان الأهلية (أمير العموش) يتوّج بطلاً للمملكة في الـ MMA   |  

المشرق العربي بين مسارات التجارة ومصالحة الذات


المشرق العربي بين مسارات التجارة ومصالحة الذات
الكاتب - م. سعيد بهاء المصري

المشرق العربي بين مسارات التجارة ومصالحة الذات

 

م. سعيد بهاء المصري

 

يشهد العالم اليوم عودة ملحوظة لإحياء طرق التجارة القديمة، ضمن مساعٍ غربية لتأمين خطوط الإمداد وتخفيف التبعية الاقتصادية لمراكز الإنتاج البعيدة. ومن بين هذه المشاريع يبرز ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الذي من المقرر أن يربط القارات الثلاث بشبكة من الموانئ والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات. غير أن نجاح مثل هذا الممر لا يقاس بطول مساره أو بتطور بنيته التحتية، بل بقدرة المجتمعات التي يمرّ عبرها على استيعابه واستثماره.

 

يقع المشرق العربي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق في قلب هذا التحول الجغرافي الاقتصادي. غير أنّ هذه المنطقة التي كانت يومًا ملتقى الحضارات والديانات، تعاني اليوم من انقساماتٍ قومية وطائفية وثقافية عمّقت هشاشتها السياسية والاقتصادية. ولذلك، فإن أول شروط النهوض لا يكمن في بناء الممرات المادية فحسب، بل في إعادة ترميم النسيج المجتمعي والفكري عبر حوار ديني وثقافي يعيد الثقة بين المكوّنات المختلفة، ويُمهّد لسلامٍ داخلي يسبق أي اندماج اقتصادي.

 

لا يمكن لأي مشروع إقليمي أن ينجح ما لم تُهيّأ بيئة تعاونٍ عربي حقيقي. ومن هنا تبرز الحاجة إلى سوق عربية موحّدة لا كشعارٍ سياسي، بل كإطارٍ اقتصادي مؤسسي يُعاد من خلاله تنظيم التجارة والاستثمار بين دول المنطقة على أساس المنفعة المتبادلة. إن بناء هذه السوق يحتاج إلى شراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، بما يتيح نقل الخبرة والتشريعات وتسهيل تدفق الاستثمارات، ويُمهّد لتحوّل منطقتنا إلى جسر طاقةٍ واتصالٍ وتجديدٍ اقتصادي بين الشرق والغرب.

 

إن المشرق العربي مؤهل ليكون أحد أهم مراكز الاستثمار في العالم إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة. فالموارد الشمسية والرياح تمتد على مساحاتٍ شاسعة، ومشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة تمثل مستقبل الصناعة النظيفة. كما يمكن للمنطقة أن تصبح عقدةً استراتيجية في تمديد كوابل الكهرباء والبيانات والاتصالات التي تربط آسيا بأوروبا، بما يجعلها محورًا للتكامل الطاقي والتقني معًا.

 

غير أن أي مشروع للتكامل أو الاستقرار لن يكتمل من دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أراضي غزة والضفة الغربية، فهي ليست قضية سياسية فحسب، بل شرطٌ جوهري لتحقيق السلام المستدام وجعل المنطقة مؤهلة لجذب الاستثمار الدولي. إن استقرار المشرق لا يمكن أن يتحقق في ظل بقاء شعبٍ محاصرٍ بلا أفقٍ سياسي، كما أن السلام الاقتصادي لا يعيش في بيئةٍ من الظلم أو الإقصاء.

 

لقد أصبح الوجود الإسرائيلي واقعًا جغرافيًا وسياسيًا في المنطقة، غير أن العقيدة الأمنية التي تبنتها إسرائيل القائمة على الردع والهيمنة أطاحت بكل القيم الإنسانية من خلال حرب الإبادة التي خاضتها ضد الشعب الفلسطيني. يصعب على من فقد أحبّاءه أن ينسى أو يغفر، كما يصعب على شعوب المنطقة من فلسطين إلى سوريا ولبنان وحتى العراق أن تتعايش مع إرثٍ من العنف والدمار. وإذا كانت إسرائيل أحد المستفيدين الرئيسيين من مشاريع إعادة بناء اقتصادات المنطقة، فإن من العسير تخيّل اندماج الفكر العدواني والعسكري مع أجواء التنمية والازدهار التي يتطلع إليها العالم لمنطقتنا اليوم. لذلك، فإن على إسرائيل أن تعيد النظر في فكرها الأيديولوجي التوسعي والعدواني، وأن تستبدل سياسات القوة بالحوار والاحترام مع الأمم التي تعيش بينها. فالسلام لا يُفرض بالدبابات والطائرات ولا بالتفوّق التكنولوجي، بل بالتعايش والاعتراف المتبادل. إن أمام إسرائيل خيارين واضحين: إمّا الاستمرار في سياسات القوة والاحتلال وبالتالي إفشال مشاريع التنمية الإقليمية التي يعوّل عليها الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة أو أن تجنح للسلم وتتعامل بندّية واحترام مع شعوب الإقليم وقياداته، بما يتيح للجميع إعادة بناء المنطقة واستعادة الأمل بعد عقودٍ من الحرمان.

 

إن المنطقة أمام فرصة تاريخية: فإما أن تكون مجرد ممرٍّ لعبور الآخرين، أو أن تتحوّل إلى جسرٍ حيٍّ بين الشرق والغرب يقوم على المعرفة والطاقة والتكامل الإقليمي. وذلك يتطلب رؤيةً جديدة تبدأ من مصالحة الذات، وتمرّ عبر بناء مؤسساتٍ عربيةٍ قادرة، وتنتهي بفتح أبواب الشراكة مع العالم على أسسٍ من الندية والمسؤولية. فكما كانت بلادنا قديمًا مهدًا للمدنية، يمكن أن تكون اليوم منطلقًا لنهضةٍ اقتصاديةٍ وإنسانيةٍ جديدة، إن نحن أعدنا الثقة بأنفسنا وببعضنا البعض.