سمعة الأردن الطبية مسؤولية وطنية وليست قضية مهنية فقط
إلى من يهمه الأمر…
سمعة الأردن الطبية مسؤولية وطنية وليست قضية مهنية فقط
بسم الله الرحمن الرحيم
في السنوات الأخيرة، أصبحت بعض منصات التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإخبارية تتسابق على نشر العناوين المثيرة سعياً وراء زيادة المشاهدات والتفاعل، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة الكاملة، أو على حساب سمعة الوطن ومصالحه الاقتصادية.
إن ما يُنشر اليوم لا يؤثر على طبيب أو عيادة بعينها، بل قد يمتد أثره إلى صورة الأردن بأكمله، وإلى أحد أهم القطاعات التي تميز بها لعقود، وهو القطاع الطبي، الذي يُعد أحد أبرز أعمدة السياحة العلاجية والاقتصاد الوطني.
لقد استطاع الأردن، بفضل كفاءة أطبائه، وجودة خدماته الصحية، والتزامه بالمعايير المهنية، أن يصبح الوجهة الأولى لآلاف المرضى من مختلف الدول العربية، وأن يبني سمعة طبية نفتخر بها جميعًا. ولم تأتِ هذه المكانة من فراغ، بل كانت ثمرة سنوات طويلة من العمل والالتزام والتميز.
ومن المؤسف أن تُختزل هذه المنظومة الطبية المتكاملة في مقطع فيديو لا يتجاوز بضع ثوانٍ، أو عنوان مثير يقارن بين تكلفة مادة خام والسعر النهائي للعلاج، دون أن يوضح للرأي العام حقيقة ما يتضمنه العمل الطبي من خبرة ومسؤولية وتكاليف تشغيلية ومتابعة ورعاية.
فعلى سبيل المثال، حتى لو افترضنا - جدلًا - أن تاج الزيركون يُصنع مجانًا داخل المختبر، فإن ذلك لا يعني أن تكلفة العلاج أصبحت صفرًا.
فالتاج لا ينتقل من المختبر إلى فم المريض بطريقة سحرية، بل يمر بعدة مراحل تبدأ بأخذ القياسات أو المسح الرقمي، ثم إرسالها إلى المختبر، ثم إعادتها لإجراء التجربة (البروفة)، وقد تعاد مرة أخرى لإجراء التعديلات، ثم تعود إلى العيادة، وأخيرًا يتم تثبيتها للمريض.
وهذا يعني وجود عدة رحلات ذهابًا وإيابًا بين العيادة والمختبر.
ولو افترضنا أن أجرة كل رحلة توصيل تبلغ ثلاثة دنانير فقط، ومع وجود ست رحلات بين المختبر والعيادة، فإن تكلفة النقل وحدها تصل إلى ثمانية عشر دينارًا، أي أكثر من الرقم الذي يتم الترويج له باعتباره “تكلفة السن”، وذلك قبل احتساب أجور الطبيب، والمواد الطبية، والتعقيم، والأجهزة، ورواتب العاملين، والإيجارات، والضرائب، والكهرباء، والصيانة، والمسؤولية الطبية والقانونية، والمتابعة بعد العلاج.
إن مقارنة تكلفة تصنيع مادة خام بالسعر النهائي للعلاج تشبه مقارنة سعر الإسمنت بسعر منزل مكتمل، أو مقارنة سعر قطعة قماش بسعر بدلة صممها وخاطها خياط محترف. فالقيمة ليست في المادة وحدها، وإنما في العلم، والخبرة، والمهارة، والمسؤولية، وجودة الخدمة المقدمة.
ولا أحد يعترض على حق المواطن في معرفة الأسعار أو المطالبة بالشفافية، بل إن الشفافية حق للمريض وواجب على مقدمي الخدمة الصحية. لكن الشفافية الحقيقية تعني تقديم الصورة كاملة، لا اجتزاء جزء منها بطريقة تثير الرأي العام وتزرع الشك بين المواطن والطبيب.
إن الثقة بين الطبيب والمريض هي حجر الأساس لأي نظام صحي ناجح، وعندما تُهز هذه الثقة بسبب معلومات ناقصة أو مضللة، فإن الضرر لا يقع على الطبيب وحده، بل يمتد إلى المجتمع بأسره، وإلى سمعة الأردن الطبية التي بُنيت عبر عقود.
ومن هنا، فإننا نهيب بالحكومة، والجهات المختصة، وهيئة الإعلام، والجهات الرقابية، ونقابات المهن الصحية، بمتابعة المحتوى الذي يمس سمعة القطاعات الوطنية، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يتعمد نشر معلومات مضللة أو مجتزأة أو غير دقيقة من شأنها الإضرار بسمعة الأردن، أو زعزعة ثقة المواطن بمؤسساته وقطاعه الطبي، أو التأثير سلبًا على السياحة العلاجية والاقتصاد الوطني، مع التأكيد على احترام حرية التعبير وحق النقد المسؤول القائم على الحقائق.
فالوطن الذي بنى سمعته الطبية بجهود آلاف الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي، يستحق أن تُحمى هذه السمعة من التضليل والإثارة، وأن تبقى الحقيقة هي الأساس في كل ما يُنشر.
سمعة الأردن ليست ملكًا لفرد أو لمهنة، بل هي ثروة وطنية، وحمايتها مسؤولية الجميع.
د. نهاد الجنيدي

